| فقالت ما أصابني شيء غير أن صدري ضاق، فأردت أن أشرب شراباً يشرح صدري
فنهضت لأقضي أشغالي فوقعت على القبة، فقال لها العفريت يا فاجرة ونظر
في القصر يميناً وشمالاً فرأى النعل والفأس فقال لها ما هذه إلا متاع
الإنس من جاء إليك فقالت: ما نظرتهما إلا في هذه الساعة ولعلهما تعلقا
معك. فقال العفريت هذا كلام محال لا ينطلي علي يا عاهرة، ثم أنه أعراها، وصلبها بين أربعة أوتاد وجعل يعاقبها ويقررها بما كان فلم يهن علي أن أسمع بكاءها فطلعت من السلم مذعوراً من الخوف فلما وصلت إلى أعلى الموضع رددت الطابق كما كان وسترته بالتراب وندمت على ما فعلت غاية الندم وتذكرت الصبية وحسنها وكيف يعاقبها هذا الملعون وهي لها معه خمسة وعشرون سنة وما عاقبها إلا بسببي وتذكرت أبي ومملكته وكيف صرت حطاباً، فقلت هذا البيت:
فلما سمعت هكذا الكلام اصفر لوني وتغير حالي فبينما أنا كذلك وإذا بأرض محلي قد انشقت وطلع منها الأعجمي وإذا هو العفريت وقد كان عاقب الصبية غاية العقاب فلم تقر له بشيء فأخذ الفأس والنعل وقال لها إن كنت جرجريس من ذرية إبليس فأنا أجيء بصاحب هذا الفأس والنعل ثم جاء بهذه الحيلة إلى الخياطين ودخل علي ولم يمهلني بل اختطفني وطار وعلا بي ونزل بي وغاص في الأرض وأنا لا أعلم بنفسي، ثم طلع بي القصر الذي كنت فيه فرأيت الصبية عريانة والدم يسيل من جوانبها فقطرت عيناي بالدموع. فأخذها العفريت وقال لها يا عاهرة هذا عشيقك فنظرت إلي وقالت له لا أعرفه ولا رأيته إلا في هذه الساعة، فقال لها العفريت أهذه العقوبة ولم تقري، فقالت ما رأيته عمري وما يحل من الله أن أكذب عليه، فقال لها العفريت إن كنت لا تعرفينه، فخذي هذا السيف واضربي عنقه فأخذت السيف وجاءتني ووقفت على رأسي فأشرت لها بحاجبي فنهضت وغمرتني وقالت أنت الذي فعلت هذا كله فأشرت لها أن هذا وقت العفو ولسان حالي يقول:
| |||||||||||||||||||
| فقال العفريت أنتما بينكما مودة أخذ السيف وضرب يد الصبية فقطعها، ثم
ضرب الثانية فقطعها ثم قطع رجلها اليمنى ثم قطع رجلها اليسرى حتى قطع
أرباعها بأربع ضربات وأنا أنظر بعيني فأيقنت بالموت ثم أشارت إلي
بعينيها فرآها العفريت فقال لها وقد زنيت بعينك ثم ضربها فقطع رأسها،
والتفت إلي وقال يا آنسي نحن في شرعنا إذا زنت الزوجة يحل لنا قتلها،
وهذه الصبية اختطفتها ليلة عرسها، وهي بنت اثنتي عشرة سنة ولم تعرف
أحداً غيري وكنت أجيئها في كل عشرة أيام ليلة واحدة في زي رجل أعجمي.
فلما تحققت أنها خانتني فقتلتها وأما أنت فلم أتحقق أنك خنتني فيها،
ولكن لا بد أني إما اخليك في عافية فتمن علي أي ضرر فرحت يا سيدتي غاية
الفرح وطمعت في العفريت وقلت له: وما أتمناه عليك، قال تمن علي أي صورة
اسحرك فيها إما صورة كلب وإما صورة حمار وإما صورة قرد فقلت له وقد
طمعت أنه يعفو عني والله إن عفوت عني يعفو الله عنك، بعفوك عن رجل مسلم
لم يؤذيك وتضرعت إليه غاية التضرع، وبقيت بين يديه، وقلت له أنا رجل
مظلوم. فقال لي لا تطل علي الكلام أما القتل فلا تخف منه وأما العفو عنك فلا تطمع فيه وأما سحرك فلا بد منه، ثم شق الأرض وطار بي إلى الجو حتى نظرت إلى الدنيا حتى كأنها قصعة ماء، ثم حطني على جبل وأخذ قليلاً من التراب وهمهم عليه وتكلم وقال اخرج من هذه الصورة إلى صورة قرد. فمنذ ذلك الوقت صرت قرداً ابن مائة سنة فلما رأيت نفسي في هذه الصورة القبيحة بكيت على روحي وصبرت على جور الزمان وعلمت أن الزمان ليس لأحد وانحدرت من أعلى الجبل إلى أسفله وسافرت مدة شهر، ثم ذهبت إلى شاطئ البحر المالح، فوقفت ساعة وإذا أنا بمركب في وسط البحر قد طاب ريحها وهي قاصدة البر، فاختفيت خلف صخرة على جانب البحر وسرت إلى أن أتيت وسط المركب. فقال واحد منهم أخرجوا هذا المشؤوم من المركب، وقال واحد منهم نقتله، وقال آخر اقتله بهذا السيف فأمسكت طرف السيف وبكيت، وسالت دموعي فحن علي الريس وقال لهم يا تجار إن هذا القرد استجار بي وقد أجرته وهو في جواري فلا أحد يعرض له ولا يشوش عليه، ثم أن الريس صار يحسن إلي ومهما تكلم به أفهمه وأقضي حوائجه وأخدمه في المركب. وقد طاب لها الريح مدة خمسين يوماً فرسينا على مدينة عظيمة، وفيها عالم كثير لايحصى عددهم إلا الله تعالى فساعة وصولنا أوقفنا مركبنا فجاءتنا مماليك من طرف ملك المدينة فنزلوا المركب وهنوا التجار بالسلامة، وقالوا إن ملكنا يهنئكم بالسلامة وقد أرسل إليكم هذا الدرج الورق وقال كل واحد يكتب فيه سطرا فقمت وأنا في صورة القرد وخطفت الدرج من أيديهم، فخافوا أني أقطعه وأرميه في الماء فنهروني وأرادوا قتلي فأشرت لهم أني أكتب فقال لهم الريس دعوه يكتب فإن لخبط الكتابة طردناه عنا وإن أحسنها اتخذته ولداً فإني ما رأيت قرداً أفهم منه ثم أخذ القلم واستمديت الحبر وكتبت سطراً بقلم الرقاع ورقمت هذا الشعر:
| ||||||||||||||||||||||
ثم ناولتهم ذلك الدرج الورق فطلعوا به إلى الملك، فلما تأمل الملك ما
في ذلك الدرج لم يعجبه خط أحد إلا خطي، فقال لأصحابه توجهوا إلى صاحب
هذا الخط وألبسوه هذه الحلة وأركبوه بغلة وهاتوه بالنوبة وأحضروه بين
يدي فلما سمعوا كلام الملك تبسموا فغضب منهم ثم قال كيف آمركم بأمر
فتضحكون علي، فقالوا أيها الملك ما نضحك على كلامك، بل الذي كتب هذا
الخط قرد وليس هو آدميا وهو مع ريس المركب. فتعجب الملك من كلامهم
واهتز من الطرب، وقال أريد أن أشتري هذا القرد، ثم بعث رسلا إلى المركب
ومعهم البغلة والحلة وقال لابد أن تلبسوه هذه الحلة وتركبوه البغلة
وتأتوا به، فساروا إلى المركب وأخذوني من الريس وألبسوني الحلة فاندهش
الخلائق وصاروا يتفرجون علي، فلما طلعوا بي للملك ورأيته قبلت الأرض
ثلاث مرات فأمرني بالجلوس، فجلست على ركبتي. فتعجب الحاضرون من أدبي
وكان الملك أكثرهم تعجبا ثم أن الملك أمر الخلق بالإنصراف فانصرفوا،
ولم يبق إلا الملك والطواشي ومملوك صغير وأنا، ثم أمر الملك بطعام
فقدموا سفرة طعام فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فأشار إلي الملك أن
كل فقمت وقبلت الأرض بين يديه سبع مرات وجلست آكل معه وقد ارتفعت
السفرة وذهبت فغسلت يدي وأخذت الدواة والقلم والقرطاس وكتبت هذين
البيتين:
| ||||||||||
